لكثرة ما يُكتب عن «جدة» خلتها مدينة نزلت فجأة علينا من كوكب آخر، مدينة لم تكن معروفة لدينا من قبل. وما هي في الخارطة السعودية حالياً غير أثر بعد عين! كم هو كلام الجرايد مؤثر وغلاب.. وفي أحايين كثيرة يقوم بدور العدسة المكبرة، وأحياناً أخرى يقوم بدور طبالي الزفة! والذين طبلوا بالأمس بين عشية وضحاها انقلبوا إلى أشهر النائحين! ربما يكون عيب الذين أحبوا هذه المدينة.. أنهم يحبونها بعض الوقت... ويتذمّرون منها كل الوقت!! أليس الذين يقطنونها وخبروها منذ عشرات السنين مازالوا هم أنفسهم.. ما الذي تغيّر بين يوم وليلة كي لا تظهر في الصحف غير سوءاتها؟! ما الذي تغيّر واستدعى إعادة اكتشافها من جديد.. هل انتهى تاريخ صلاحية المدينة.. أو هو تاريخ صلاحية الحب!! أم أن الكأس ملئ حتى فاض!!
ومن المسؤول عن تعبئة الكأس أليس الشارب شريكاً!! بمقدور الذي يشرب الماء أن ينبه الساقي إذا قارب الكأس على الامتلاء لماذا انتظر حتى يفيض ويفسد الأشياء!! غلطة المحبين أنهم ينسون مبدأ الشراكة.. ويكتفون بالحب! وغلطة السقايين أنهم يتركون الكأس حتى تفيض ولا ينتظرون الشكر!! والأدهى أن الحب يمضي أعمى وإذا أراد التعبير صفق!! وفي أول فرصة يراها مناسبة للكف عن التصفيق.. لا يكف فقط بل وينقلب باحثاً عن حجة يُبرر بها سكوته عن مبدأ الشراكة بأن يعتمر دور الضحية المغلوب ويرمي الحمول الثقال على شريكه الآخر.. وهكذا تبدو المسألة وكأنها حسابات تتصفى بين طرفين لا غنى لأحدهما عن الآخر! إن لكل مدينة أخطاءها لكن ليس دائماً الأخطاء وحدها البارزة! فلماذا حين نقرأ المنشور في كل الصحف المحلية تقريباً بأقلام أفاضل يوشك على إقناعنا أن كل السنين التي مرت على «جدة» لم تسفر إلا عن هلاهيل! ويوشك على إقناعنا أن جدة المدينة السعودية الوحيدة التي غطت وجهها البثور والندوب.. أما غيرها فكل ما فيه حسن وبديع ورائع! قد يعود هذا الحديث الشائك عن تلك التي قالوا عنها (العروس) وما بقي فيها من بهاء العرس غير الخطوط الشمطاء والوجه الكئيب إلا أنها كالمغناطيس الجاذب، فهناك مدن تفعل فعل المغناطيس تجذب الجميع إليها على اختلافهم، «وجدة» واحدة من هذه المدن القليلة وإن اتفقوا على ذمها!!! أو بمعنى آخر على توصيف نقائصها الكثيرة.. وإن اتفقوا على كثرة نقائصها ونسوا محاسنها! ولعلي أسمع صوتاً الآن من وراء السطور يقول.. وأين محاسنها؟ وأقول: إنها عين السخط سيدي.. تبدي المساوئ دائماً! ولا أطالبكم الآن بعين الرضا ولا أسألكم نظرة من هذا النوع كما لا أسرف في التفاؤل.. إنما لكل هذا عندي تفسير لم يعد له مكان في المساحة قد أعود له يوماً !