من أرض الواقع ( حقيقة وليست خيال )
في يوم رمضاني من سنة مضت ..
وعقب صلاة التراويح توجهت للمؤسسة الخيرية التي أعمل بها ( متعاونا ) ..
في جو مفعم بالإنسانية والفِكر يدور حول نعمة الله على الإنسان أن يسخر أمثال هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية في أن تكون حلقة وصل فتبارك مال المتبرع بتوفيق الله وترفع الحاجة عن الفقير الذي ضاقت عليه الأرض فلا سكن مريح ولا مال يستر العورة ولا صحة تجعل للحياة معنى .. في ألم مروع لا نقول إلا كفانا الله شره وأغنانا من حيث لا نحتسب وكفانا الله شر الحاجة ومرارة الحرمان .. وإياكم آمين ..
(( اللهم اغننا بفضلك عمن سواك ولا تجعل لنا في يد مخلوق حاجة ))
دخلت المؤسسة ففاجأني الزميل الكريم ( أبو عبد الله ) وهو أحد أعمدة هذه المؤسسة عند باب المؤسسة ..
وإذا بوجهه متلون جدا وعليه هم ينبئ عن موقف حديث الوقعة أليم الأثر .. وسألته مباشرة فأخبرني بما سيجري قلمي به وكانت الفاجعة وقال :
رجل رثّ الحال جدا استوقفني عند باب المؤسسة الخيرية .. وأومأ لي إشارةً إلى رغبته في حديث خاص معي
( والحديث للزميل ) فذهبت إليه وفيه من الحياء الشيء الكثير وخاطبني بلهجة منكسرة – انكسارا صادقا ليس مفتعلا- وقال بصوت خفيض مكلوم ملؤه الحرج والألم - وآه لما قال – :
يا ولدي أنا لا أريد لباساً ولا مالاً ولا داراً أسكن فيها ..
أنا يا بني أحتاج منك فقط – ولا أريد أكلف عليك – سبع تمرات فقط !!
فقط سبع تمرات .. لنفطر عليها غدا في بيتنا أنا وأولادي فلا نملك من الطعام شيئاً ..
وسكت وفي عينيه سيل من الدموع يكاد ينفجر عله أن يغسل قلوبنا المليئة بالقسوة ونسيان إخواننا الذين ليس لديهم من حطام الدنيا شيء والله وحده الرزاق ..
يقول الزميل : فو الله ضاقت علي الأرض بما رحبت وتمنيت الموت على أن أرى إنساناً يصل لهذه الحال .. وفي المملكة دار الخير والبركة .
المؤلم أني دخلت المؤسسة لأجد له ما يناسبه .. ولما خرجت لم أجده وكأني تأخرت عليه ويئس وذهب !!
ولم أحصل على عنوانه ولا اسمه ولا أي شيء يوصلني له ..
فندمت أشد الندم ..
فندمت أنا مع زميلنا أشد الندم ..
ولما عرف مجموعة من التجار قصته التفوا حولي في أحد الجوامع وطلبوا مني عنوانه ليكفونه مدى الحياة !
لكن الأليم أننا لم نعرف له أي طريق ولا دليل ..
وذهب في صفحة النسيان .. ولكن الله لن يتركه إن كان صادقا وسيهيئ له من يكفله ..
*****
رباه نحن أحوج إلى حبك وعونك من حاجة هذا العبد لطعامه وشرابه .. فلا تحرمنا حبك ولا تسلبنا عونك ومددك .
ألاحظ جدا تدني عام من خلال التبرعات في المؤسسات الخيرية يعبر عن انخفاض ملحوض في معدل الإنفاق وكأن الناس همهم الانشغال بالدنيا والقنوات فقط .. وتُرِكَ الفقراء يصارعون الفقر بدون عُدة في ظل وحش الغلاء الذي لا يرحم فسحق حياتهم وكدر معيشتهم ..
أسر أعرفها لا تجد ما تفطر به إلا التمر وشيء لا يذكر .. !
قال الله تعالى: (وَاِعبِدوا اللَهَ وَلا تُشرِكوا بِهِ شَيئاً وَبِالوالِدَينِ إِحساناً وَبِذي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكين وَالجارُ ذي القُربى وَالجارُ الجَنِب).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع )) رواه الطبراني وأبو يعلى ورواته ثقات .
أين الثقات ممن يعنون بمتابعة حالات الأسر .. من عرض مكنونهم من الحالات الأليمة للناس ومن عشاق الخير ومساعدة الناس ..
لماذا لا يفتح الإعلام بابه لبرامج ( منسقة وبالوثائق والمستندات ) لبرامج من خلال التنسيق مع الجهات الخيرية لعرض الحالات إعلاميا على غرار البرنامج الإذاعي والذي يبث على إذاعة mbc ( الناس للناس ) ولكن بشكل أكثر مصداقية وسرية .
المؤسسات الخيرية تُشكر جدا على ما تقدمه في هذا الشهر الفضيل .. لكن تحتاج لإبراز حالاتها بشكل أفضل للناس فالمتبرعين يجهلون أغوار المؤسسات وما بداخلها من عجائب لا يُصدق أنها تعيش بيننا ومن لحمنا ودمنا من الفقراء ( المعدمين ) .
لفتات مبعثرة أعيد النظر إليها في ظل الانشغال بالفضائيات وما تبثه من كفر وفسق نسأل الله السلامة والعافية ..
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وغفر لنا ولكم ..
دمتم وأحبكم في الله ..
بقلم/ عادل بن عيد الخديدي (أبو أسامة)
المعيد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – كلية الشريعة – قسم الفقه المقارن
المشرف العام على إدارة السفر والإقامة بالجامعة .