إن أعجبت بنسبك، فهذا أسوأ من كل شيئ، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة. أو يستر لك عورة، أو ينفعك في آخرتك ؟
ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك وربما فيما أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء عليهم السلام ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء، ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة، وسائر ملوك الإسلام. فتأمل غبراتهم وبقاياهم، ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك، تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلفهم في غاية السقوط والرذالة والتبدل والتحلي بالصفات المذمومة، فلا تغتبط بمنزلة هم فيها نظراؤك أو فوقك.
ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً وشربة خمور ، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور، فأنتجوا ظلماً وآثاراً قبيحة، تبقي عارهم بذلك الأيام، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب. فإن كان كذلك، فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار لا في الإعجاب.
فإن أعجبت بولادة الفضلاء إياك، فما أخلى يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلاً، وما أقل غناهم عنك في الدنيا والآخرة إن لم تكن محسناً! والناس كلهم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته. ولكن ما أقل نفعه لهم، وفيه كل معيب، وكل فاسق، وكل كافر.
وإذا فكر العاقل في أن فضل آبائه لا يقربه من ربه تعالى، ولا يكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه ولا مالاً، فأي معنى الإعجاب بما لا منفعة فيه! وهل المعجب بذلك إلا كالمعجب بمال جاره، وبجاه غيره، ويفرس لغيره سبق كان علي رأسه لجامه! وكما تقول العامة في أمثالها كالغبي يزهى بذكاء أبيه، فإن تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك، لأنه قد عجز عقلك عن مقاومة ما فيك من العجب، هذا إن امتدحت بحق، فكيف إن امتدحت بالكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى، وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك، وقد كان فيمن ولد لغير رشده من كان الغاية في رياسة الدنيا، كزياد، وأبي مسلم، ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله عن ذكره في مثل هذا الفصل، ممن يتقرب إلى الله تعالى بحبه، والاقتداء بحميد آثاره. وإن أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال، وإن أعجبت بخفتك فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب، فمن العجب العجيب، إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق.