ذكر ذوو الدراية أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه- حين فتح اللّه البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر، وغير ذلك من الأرض- كتب إلى حكيم من حكماء العصر: آنا أناس عرب، وقد فتح اللّه علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض، ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثِّرُه التربة والأهوية في سكانها.
تأثير البيئة الطبيعية
فكتب إليه ذلك الحكيم: اعلم يا أمير المؤمنين أن اللّه تعالى قد قسم الأرض أقساماً: شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فما تناهى في التشريق وَلَججَ في المطلع السانح منه النور فهو مكروه لاحتراقه وناريته وحِدَته وإحراقه لمن دخل فيه، وما تناهي مغرباً أيضاً أضَر سكانه، لموازاته ما أوغل في التشريق، وهكذا ما تناهى في الشمال أضَرّ ببرده وقره وثلوجه وآفاته الأجسام فأورثها الآلام، وما اتصل بالجنوب وأوغل فيه أحرق باريته ما اتصل به من الحيوان؛ ولذلك صار المسكون من الأرض جزءًا يسيراً، ناسَبَ الاعتدال، وأخذ بحظه من حسن القسمة، وسأصف لك- يا أمير المؤمنين- القطع المسكونة من الأرض.
الشام
أما الشام فسُحُبٌ وآكام، وريح وغمام، وغدق ورُكام، ترطب الأجسام، وتولد الأحلام، وتصفي الألوان، لا سيما أرض حِمْص فإنها تحسن الجسم، وتصفي اللون، وتبلد الهم، وتنزح غوره، وتجفي الطبع، وتذهب بماء القريحة، وتنصب العقول، والشام- يا أمير المؤمنين، وإن كانت على ما وصفت لك- فهي مَسْرَح خصب، ووابل سَكْب، كثرت أشجاره، واطَّرَدت أنهاره، وغمرت أعشاره، وبه منازل الأنبياء، والقدس المجتبى، وفيه حَلَّ أشراف خلق اللّه تعالى من الصالحين والمتعبدين، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين.
مصر
وأما أرض مصر فأرض قَوْرَاء غَوْرَاء، ديار الفراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذَمّها أكثر من حمدها، هواؤها راكد، وحرها زائد، وشرها وارد، تكدر الألوان، وتخبب الفطن وتكثر الإِحن وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد والأموال، ومغارس الغَلاَّت، غير أنها تسمن الأبدان وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن؛ لترادف فتنها، واتصال شرورها.
اليمن
وأما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب الأحلام، ويذهب بالرطوبة، في أهله همم كبار، ولهم أحساب وأخطار، مَغَايضه حِصْبَة، وأطرافه جَدْبة، وفي هوائه انقلاب، وفي سكانه اغتيال، وبهم قطعة من الحسن، وشعبة من الترفه و فقرة من الفصاحة.
الحجاز
وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم، هواؤه حَرور، وليله بهفور، ينحف الأجسام، ويُجفَف الأدمغة، ويشجع القلوب، ويبسط الهم، ويبعث على الإِحن وهو بلد مَحْل قَحْط جَدب ضَنْك.
المغرب
وأما المغرب فيُقسِّي القلب، ويوحش الطبع، ويُطِيش اللُّبَّ ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غدر، ولهم خبث ومكر، ديارهم مختلفة، وهممهم غير مؤتلفة، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم، وخطب جسيم، من أمر يظهر، وأحوال تبهر.
العراق
وأما العراق فمنار الشرق، وسُرة الأرض وقلبها، إليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فَصَفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتَدَت خواطرهم، واتصلت مسراتهم، فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم، وقَلْبُ الأرض العراق وهو المجتبى من قديم الزمان وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة؛لصفاء جوهره، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به.
الجبال
وأما الجبال فتخشن الأجسام وتغلظها، وتبلد الأفهام وتقطعها، وتفسد الأحلام، وتميت الهمم؛لما هي عليه من غلظ التربة، ومتانة الهواء، وتكاثفه، واختلاف مَهَابه، وسوء متصرفاته.
والأخلاق والصور- يا أمير المؤمنين- تناسب البلد وتحاذيه، وتقاربه، وتوافقه وتضاهيه، وكل بلد اعتدل هواؤه، وخف ماؤه، ولطف غذاؤه - كانت صور أهله وخلائقهم تناسب البلد وتحاذيه، وتشاكل ما عليه أركانه، وما أسِّسَ عليه بنيانه وكل بلد يزول عن الاعتدال، انتسب أهله إلى سوء الحال.
وأما بلد فارس فخصب الفضاء، رقيق الهواء، متراكم الماء، مُعْتَمّ بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهله شح، ولهم خب ؛ وغرائزهم سيئة، وهمهم دنيئة، وفيهم مكر وخداع.
خوزستان
وأما بلاد خوزستان فهي كَدِرَة الأهواء، تفسد الأحلام، وتبلد الإفهام، وتخبث الهمم، وتستأصل الكرم، يساق أهله سَوْقَ الأنعم، وهم الهَمَجُ الطَّغَام.
الجزيرة
وأما أرض الجزيرة فتناسب البر بالهواء اللطيف، وفيها خصب وسَرْجٌ، ولأهلها بأس ومراس.
والبر- يا أمير المؤمنين- أفضل قطع الأرض وأسناها، وأشرفها وأعلاها، نحو الأنجاد والتهائم، لحماية الهواء الأقذاء عن سكانه، ودفعه الآفات عن قُطَّانه، وسماحة المثْوَى، وتهذيب الماء، وصحة المُتَنَسم، وارتفاع الأكدار، وذهاب الأضرار.
واعلم- يا أمير المؤمنين- أن اللّه تبارك وتعالى قسم الأرض أقساما فَضَّل بعضها على بعض، فأفْضَلُ أقسأمها العراق، فهو سيد الآفاق، وقد سكنه أجيال وأمم ذوو كمال.
الهند والصين
وأما الهند والصين وبلاد الروم فلا حاجة بي إلى وصفها لك، لأنها منازل شاسعة، وبلدان نائية، كافرة طاغية.
وفي الذي ذكرته لك ما أشفى بك إلى ما شَفَرتَ إلى علمه، وكل ما وصفته في هذه البلدان فهو الأعم من أمور أهلها، والأغلب على أحوالهم، فإن وجد فيهم أحد بخلاف ذلك فهو النادر يا أمير المؤمنين، والحكم في ذلك للأغلب.
وذكر جماعة من أهل العلم بالسير والأخبار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد الشخوص إلى العراق- حين بلغه ما عليه الأعاجم من الجمع ببلادهم- سأل كعب الأحبار عن العراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه لما خلق الأشياء ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: أنا لا حق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك، فقال المال: وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك، فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز فقالت القناعة: وأنا معك فقال الشقاء: وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك.